سعيد حوي

1963

الأساس في التفسير

والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها ، فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول ، هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة ، وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا ، وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة ، وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم ، كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة ، وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة ، فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة لتعرف من هم أعداؤها : ما طبيعتهم ؟ وما تاريخهم ؟ وما وسائلهم ؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم ؟ ولقد علم الله أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله ، كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ووسائلهم كلها مكشوفة . « ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير . وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة طويلة ، ووقعت الانحرافات في عقيدتهم ، ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم ، ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف ، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم . . . فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم وتقلبات هذا التاريخ ، وتعرف مزالق الطريق وعواقبها ، ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم ؛ لتضم هذه التجربة - في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها ، وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون . ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق ومداخل الشيطان وبوادر الانحراف على هدي التجارب الأولى . « ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل ، وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها وتنحرف أجيال منها ، وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة ستصادفها فترات تمثل فترات من حياة بني إسرائيل ، فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم ، يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته . ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي التي عرفت ثم انحرفت ، فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة ؛ لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها . وينفض عنها الركام لجدته عليها وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول